كرّ وفرّ بين عواصم غربية وطهران. عواصم خليجية تتفرج على مسرحية «غربستان». طهران بين قبول وتمنّع في الرد على تخصيب غالبية مخزونها من اليورانيوم في الخارج، وذلك لأهداف الكسب السياسي وكسب الوقت والمزيد من الحوافز والجوائز الغربية.
هل سقطت الثورة المخملية بعد ان بدأت المحاكمات والإعدامات لمن تسميهم حكومة الرئيس أحمدي نجاد «متسببين» في الاضطرابات التي زعزعت البلاد وهدَّدت ولاية الفقيه؟
لكن ما مدى صحة وجود مخطط لـ «الحرس الثوري» يقضي بتصفية إعلاميين عرب وخليجيين مناهضين للمشاريع والسياسات الإيرانية في المنطقة؟! هل فعلاً إيران قادرة على القيام باغتيال صحافيين عبر منح الضوء الأخضر لميليشياتها وطوابيرها لتنفيذ مخططاتها؟ ربما، لكنها لن تفعل ذلك في حال وصولها إلى حلول توافقية بينها وبين الغرب بشأن برنامجها النووي، لكنها ستفـــعل ذلك عبر القوات الإيرانية الخاصـــة (يكان ويزه) التي تملك موازنة وصلاحيات مفتوحة منها إصدار جوازات سفر من بينها جوازات سفر ديبلوماسية لأي شخصية تعمل لحسابها، كما أن معظم كوادرها وحتى العاملين في الداخل الإيراني يجيدون أكثر من لغة خصوصاً العربية، وقد شوهدوا يتحدثون باللهجة اللبنانية بطلاقة، كما أن اختيارهم يأتي بحذر شديد كي لا يثيروا أية شكوك حولهم إن كان من حيث الهيئة أو الكلام بالنسبة الى جميع أفراد هذه القوات. ستكون لي مقالة مقبلة تتحدث عن ذلك بالتفصيل.
هل شجع سقوط الثورة المخملية وتراجع سطوة الإصلاحيين عن مواجهة المحافظين بعد قمعهم واغتصابهم وسجنهم وقتلهم، إضافة إلى «روزنامة» الحوافز الغربية، حكومة أحمدي نجاد على استعادة حيويتها «الهجومية» وشعاراتها «العدوانية» لتصدير ثورة جديدة إلى الخارج لملء الفراغ وجذب أنظار الشعب إلى أخطار خارجية «وهمية»؟ وبذلك ستعمل على تحريك حلفائها في المنطقة، «حزب الله»، «حماس» والحوثيين، وتنشيط بعض المؤيدين والموالين لها في العراق ولبنان ودول الخليج للقيام بأعمال ترتكز على إثارة اضطرابات طائفية وحركات تمرد للتشويش على العلاقة بين الحكومات العربية وشعوبها. لكن هل سيؤدي تقاطع المصالح الغربية والإيرانية إلى إضعاف الحكومات العربية، ويجعل منها ضحية وتابعاً لعلاقات جديدة ترسمها العواصم الغربية وطهران؟
قبل فترة أعدّ الباحث في مركز «كارنيغي» كريم سد جادبور دراسة تحفز على حل الخلافات بين واشنطن وطهران على قاعدة الاهتمام المشترك والمصالح المتبادلة أو المتقاطعة وفق صورة تسمح بتحديث إيران وإعادة دمجها في الاقتصاد العالمي، إلى جانب إعادة الثقة في معالجة الملفات الساخنة، مشيراً إلى ان خطوط تلاقي المصالح الأميركية والإيرانية وتقاطعها في العراق وأفغانستان أكثر من غيرهما من دول الجوار. (مجلة «المشاهد السياسي» العدد 700 - 16 آب /اغسطس الماضي).
إيران تفعل كل شيء في العراق، وتتصرف على مرأى ومسمع من الأميركان، ومن جعلها تقوى وتعربد وترعد في بغداد هم العرب أنفسهم بانصرافهم عن العراق وأهله بحجة الظرف الأمني، حتى تمكنت منه وبنت على ظهور أهله جسوراً وعبّدت طرقات لما يخدم مصالحها وسياساتها. أما في أفغانستان فإن الالتقاء بينهم أكثر على رغم ان سلوك إيران ازاء افغانستان يتسم بـ «انفصام الشخصية» فإذاعتها الرسمية تصف الرئيس الأفغاني قرضاي بـ «الدمية في يد أميركا» إلا أنها تُعد واحدة من الدول العشر الأكثر منحاً للمساعدات لحكومته، إضافة إلى ان ما يجمع بين واشنطن وطهران هو عدوهما الأول «طالبان».
هل تريد ايران السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، أم تهديد إسرائيل، أم مصافحتها عبر مد يد طولى من فوق الغارب العربي لقمع شعوبه وتأديبهم؟! هل هناك حاجة للمؤسسة الدينية في إيران تدفعها نحو التزمّت لحماية نفسها من جيران «غير مستقرين» وحكومات أميركية ودول في المنطقة تناصبها العداء؟!
الأكيد أن نيات إيران غير سلمية، ولا يمكن الثقة بها مهما قدمت من تعهدات أو التزامات أو وعود أو عهود، ويفترض بالمجتمع الدولي ألا يسمح لها بتخصيب اليورانيوم طالما أنها ما زالت تعبث بالبيضة والحجر، وتدعم المجموعات المتطرفة والميليشيات المسلحة و»تشخبط» على جدران الجيران، وتتوعد بقطع أيادي وألسنة كل من يهمس ضدها، وذلك حتى لا يتحول العالم إلى غابة من الوحوش الذين يمكنهم ذر الرماد في العيون ودس السم في العسل لتنفيذ مخططات القتل والاغتيالات وفق مخططات إجرامية.
مفاوضات إيران مع الغرب وحزمة الحلول لا تعني طهران وحدها، وعلى دول الخليج معرفة كل التفاصيل السرية على طاولة المفاوضات والمجريات، لأنه ليس هناك من يشكل خطراً على دول الخليج أكثر من الخطر الإيراني، وبقاء دول الخليج في خانة المحايد المهذب أو الديبلوماسي الوقور لن يحقق لدول الخليج أية مكاسب، بل ربما يشكل عليها ضغطاً سياسياً مستقبلياً كما شكل عليها انصرافها عن أوضاع العراق.