كثير من الناس يعتقد أن المال والجاه هما المكونان الرئيسيان لرؤوس الأموال والثروات، وهما إكسير السعادة وسببها الأبدي الذي لا ينقطع. وعلى رغم أنهم قالوا قديماً: «إن الدنانير تكسو الرجال مهابة وجلالاً.. فهي اللسان لمن اراد فصاحة وهي السلاح لمن اراد قتالاً، لم يكن قائل هذه الأبيات بأي حالٍ من الأحوال مستغنياً عن رؤوس الأموال الحقيقية التي خلقها الله لنا في الحياة، وكثير منّا غافل عنها، لا يعرف لها قيمة حتى يفقدها، ويتحسر ألف مرة عندما يرى غيره ممن قدرها حق قدرها، وحموها وسهروا على حفظها وشكرها. أعرف الكثير من أصحاب الملايين، بل والبلايين، يعيشون في حال تعيسة، على رغم الأموال الطائلة التي تحت أيديهم! ولكنهم يفتقدون من لا يستطيع المال أن يأتي بهم! فترى بعض هؤلاء، يملك من المال ما يرضي به الرؤساء.. والبؤساء.. ولكنه فشل في أن يرضي أياً من والديه فغضبا عليه! أي رأسمال قد كسب هذا.. بل وأي رأسمال قد خسر! وترى بعضهم يملك من الأموال ما يجعل العشرات والمئات يقفون بجانبه لخدمته سمعاً وطاعة، ولكنه يدرك بكل ألم أنه لا يوجد من هؤلاء من يقف بجانبه من دون أن يرجو مقابلاً مادياً مباشراً أو غير مباشر، أو من دون حاجة له لدى صاحبنا، إذ إنه فقد من قد يقف بجانبه من إخوة وأشقاء وأصدقاء، كانوا يسندونه ويضعون أيديهم على كتفه حباً وعطفاً ومودةً وحناناً، قبل أن ينفرهم منه بسبب غرور وغطرسة سببها مال من قذر الدنيا الزائلة..! فأي رأسمال قد كسب هذا؟ بل وأي رأسمال قد خسر! رجال كثر، طغوا وتكبروا وتجبروا بلا أي سبب كان على زوجات أو أهل كانوا له من المحبين والحافظين، فتُركوا يواجهون غربة الحياة وحدهم، حتى تجعدت وجوههم قبل أوان التجاعيد من قسوة الوحدة ونار الندم وحرقته! إما بسبب مال زائد زائل، أو بسبب حماقات لا تغتفر! وخسروا من كان يحملهم على أكف الراحة من المحبين الى غير رجعة، ورموا بأنفسهم في أحضان شائكة نتنة لا غاية لها سوى المادة.. وضواحيها! فأصبحوا يقلبون كفوفهم على ما أضاعوه من سنين بين أنياب الحاقدين وسكاكين المتربصين.. وذهبت رؤوس أموالهم.. وبقيت أموالهم فقط.. بلا رؤوس..! ونساء «رفسن» النعمة التي وهبها الله لهن بأزواج صالحين، طيبين، لينين، رحيمين! بسبب تغرير المغررات، أو بسبب زن «الزنانات»! وتركن أنفسهن لمتاهات الحياة التي لا ترحم كل من ألصقها قدرها بنون نسوة جعلتها تحت دائرة العيب والعار حتى تموت وهي حيّة.. أو تحيا وهي ميتة! وأصبحن يفركن صدورهن ندماً على من كانوا تيجان رؤوسهن ورؤوساً لأموالهن، وبقين مع ملاليم سوداء.. للعيش في أيام أكثر سواداً. قال الشاعر: من تجي راس ماله.. ما يبي راس مال... إن حيا.. جنته، وإن مات، يكتب شهيد. نسأل الله أن يشرح صدورنا ويكشف الغم عن قلوبنا وأعيننا، ويفتّح بالحق بصائرنا لكل ما فيه الخير لنا ولمن نحب.. وأن يحفظ لنا أحباءنا ما حيينا.. آمين يا رب العالمين.