أخبار الوطن العربي هي كما يأتي: في العراق مازال عرض العنف والاشتباكات الدامية، مستمراً بين القوات الحكومية المدعومة من قوات الاحتلال الأميركية وتشكيلة متنوعة من الميليشيات، تناسب كل الأذواق والتوجهات، والعرض الحالي هو لميليشيات الصدر. في لبنان ميليشيا «حزب الله» - وفي خطوة متوقعة - تستولي على السلطة اثر انقلاب عسكري، وتفرض الإقامة الجبرية على الحكومة اللبنانية وبقية رموز الأغلبية اللبنانية، والحبكة مهيأة لمزيد من التصعيد. في السودان ميليشيا حركة العدل والمساواة «المدعومة من تشاد»، تزحف على العاصمة الخرطوم في مغامرة عسكرية متهورة، وتشتبك مع القوات الحكومية في أطراف أم درمان. في الصومال مازالت المواجهات مستمرة بين ميليشيات المحاكم الإسلامية، والقوات الحكومية المدعومة من اثيوبيا. العنوان الرئيسي لكل هذه الأحداث هو الصراع الدامي على السلطة، والعنوان الفرعي هو العنف لغة الحوار الوحيدة... نصحو كل صباح على مثل هذه الأخبار، ونتناول عشاءنا في كل مساء مع مزيد من هذه الأخبار، منطقتنا أصبحت شبيهة بأميركا الوسطى أثناء حكم الرئيس رونالد ريجان، فالثوار يأتون أولاً وبعد ذلك تأتي المبررات. ليسمح لي الرجل الملثم الذي يقف وخلفه شعارات التوحيد والله أكبر، ويتحدث في مقابلة خاصة مع «قناة الجزيرة» عما قام به من أعمال بطولية، وعن مشاريعه المقبلة، بأن أخبره بأنني مللت منه ومن أمثاله، فمحاضراته عن الشرف والكرامة تصيبني بالغثيان، وليسمح لي زعيم «حزب الله» نصر الله بأن أذكره بأنه يستطيع أن يخدع كل الناس لبعض الوقت، ولكن لا يستطيع أن يخدع بعض الناس لكل الوقت... هو زمن بائس في تاريخ العرب والمسلمين، عندما يتحدث زعيم طائفي عن شرف وكرامة العرب والمسلمين، ويجد من يصدقه، ليسمح لي نصر الله بأن أقول له إنني أجد صعوبة كبيرة في تصديقه، عندما يقول إن الصراع الحالي في لبنان ليس طائفياً، والجميع يرى قناة «المنار» التلفزيونية تعرض مسلحين من حزبه وهم يقتادون مجموعة من الشباب يشار إليهم بأنهم من السنة! وليسمح لي الأمين العام لـ «حركة العدل والمساواة» في دارفور بأن أقاطعه وهو يبشر السودانيين عبر منبر الجزيرة بقرب الخلاص من الفئة الحاكمة في الخرطوم، وأسأله هل هو متأكد من أن نشر العنف هو العلاج المناسب للكارثة الإنسانية المفتعلة في دارفور؟ وهل هؤلاء المساكين الذين أقحموا في صراع دموي مرير، بحاجة لتضميد الجراح؟ أم هم بحاجة لمزيد من السلاح وعربات النقل الخفيفة، لتسرع بهم نحو المحارق والدمار؟ لماذا في كل مكان من العالم تحل الخلافات بالحوار والمنطق، بالعقل وبالحجة، ولدينا لغة السلاح والصراع الدموي هي اللهجة الدارجة؟ هل هو الاستبداد؟ بالتأكيد لا، فما حدث في لبنان يؤكد أن المعارضة هي التي دفنت الحوار، وأقفلت البرلمان، وسدت كل المنافذ، وبعد ذلك استولت على الشارع بقوة السلاح! لم يكن التصعيد واللجوء إلى العنف في لبنان بسبب غياب حرية التعبير، أو انعدام فرص الحوار الجاد والهادف، ولم يكن لغياب النظام الديموقراطي الذي يكفل التمثيل النيابي، بل على العكس من ذلك كان اللجوء إلى الإرهاب والعنف وفرض اللون الواحد هو النتيجة الوحيدة التي يهدف لها مثل هذا التصعيد! النظرية التي افترضها هي أن دوامة العنف التي تجتاح مناطق كثيرة من وطننا العربي - وإن كانت تحرك من الخارج - فإن أسبابها الحقيقية هي انتشار الفقر والجهل في هذه المناطق، فالفقر والجهل وباءان اجتماعيان انتشرا نتيجة غياب التنمية البشرية الحقيقية، وعندما تنتشر الأوبئة يصبح المجتمع هشاً عديم المناعة تفتك به الأمراض، ولعل أخطرها هو الاستهانة بالحياة واللجوء إلى العنف. باستطاعة زعيم ديماجوجي متوسط الإمكانات ان يستثمر مناخ الإحباط واليأس وصناعة ما يشاء من الفوضى والدمار. حاجات الإنسان في هذه الحياة بسيطة، واللجوء إلى العنف ليس واحداً منها وهذه حقيقة، ما يحتاجه الإنسان هو عمل مناسب وبيئة ملائمة تسمح له بتكوين أسرة والعيش بحرية وكرامة، عندما يجد الإنسان ذلك فإنه لن يجد ما يقدمه لزعيمه الروحي سوى دعواته الصادقة وسيجد أي زعيم ديماجوجي صعوبة في إقناع أتباعه بالتضحية بأرواحهم وقتل أتباع الزعيم المنافس، لذلك فالمنطقي هو أن حل كل الإشكالات التي تعصف بالمنطقة لن يأتي من خلال الحوار مع زعماء الميليشيات والمتطرفين والغوغائيين والعملاء الذين يستثمرون ظروف الفقر والجهل ومناخ الإحباط واليأس لنشر العنف والفوضى، بل من خلال الالتفات إلى بؤر الفقر والجهل ومحاولة علاجها وإعادتها لمسار التنمية الحقيقية. عندما يشعر الإنسان بأن حياته أثمن من أن يقدمها قرباناً لزعيم ديماجوجي سيتوقف العنف، وسيتذكر الجميع أن هناك طرقاً كثيرة لحل الخلافات غير العنف، وسيدركون أن لحياة الإنسان حرمة عظيمة، وأن لأمن الأوطان حرمة أكبر.