رأيت المشهد منذ أيام على إحدى القنوات، ولم أركز عليه إلا بعد أن رأيت كم الأطعمة الملقاة في سلة المهملات، خصوصاً أنها طازجة وصالحة للأكل الآدمي، كان يمكن أن تسعد أسراً كثيرة لم تذق منذ أوقات طويلة طعم الشبع! المشهد المؤلم الذي رأيته في بلد إسلامي كان لنساء يمكثن في الشوارع لساعات طويلة بانتظار ما يسقط من العربات الخاصة بنقل البقول والقمح، ليقمن بجمعها ثم تصفيتها من الأتربة قبل طبخها لأطفال تئن بطونهم من آلام الجوع! مقارنة بسيطة وسريعة اكتويت بنارها وأنا أرى عائلة في مطعم شهير تترك أطفالها يطلبون أنواعاً كثيرة من الأطعمة ليتناولوا القليل منها ثم ويعبثون بالبقية، وأراهم يصبون عليها العصائر، ويفرغون علب الملح والفلفل ثم يطلبون من النادل حملها فقد فرغوا من العبث والمرح بنعمة الأطعمة! إننا نعيش في خير كثير - ولله الحمد - ولكن النعمة التي لا تصان وتقدر كما ينبغي قد تذهب ولا تعود، فإذا كنا لا نشعر بغيرنا من الجوعى كما ينبغي، فالأولى أن نطلب فقط من الأطعمة قدر ما نحتاج إليه ونشتهيه، ولكن أن نترك الأطفال يعبثون بنعمة وهبها الله لنا، فذلك أمر يجب إعادة النظر فيه، قبل أن تتحول النعمة إلى نقمة. لقد أثلج صدري وأسعدني خبر تبني فريق نسائي سعودي يعمل على ترشيد الاستهلاك والحد من مظاهر البذخ في الأفراح والمناسبات العامة وإحلال سلوكيات تتناسب مع تعاليم ديننا الذي يدعونا إلى الاستمتاع بنعم الله بعقلانية وبتقدير. ليس من المنطق ان تمتلئ خزانات البيوت بثياب السهرة وملحقاتها من أحذية وحقائب واكسسوارات ثم لا نرتديها إلا مرة واحده، وهو سلوك منتشر بشدة بين النساء، والحجة والعذر غير المقبولين اللذين أسمعهما كثيراً هما: كيف ارتدى ثوباً رآني الآخرون أرتديه من قبل في مناسبة سابقة؟ والسؤال الذي يلح علي ولا أجد له إجابة شافية وافية هو: هل نحن نذهب للمناسبات بغرض الاستعراض والتباهي، أم بغرض مشاركة الآخرين أفراحهم، والتعبير عن المشاركة الوجدانية، وتلبية لدعوة كريمة استجبنا لها؟ هذا العبء يرزح تحته الكثير من العائلات، ويشكل ضغطاً كبيراً على الضيفة أو الضيف الذي يأبى المشاركة إلا وهو يرتدي ملابس جديدة، وكذلك على المضيف الذي يفرض عليه «التقليد» أن يقيم زفافاً أو مناسبة بالتميز في الأطعمة والزينة وغيره... البيوت وراء أبوابها المغلقة في مشكلات كبيرة مصدرها النواحي الاقتصادية، لأن الزوجة تقارن نفسها بغيرها، وما على الزوج الذي لا يستطيع تلبية مطالب منطقية سوى الاستجابة لرغبة زوجته في التقليد والمباهاة والتميز والتفاخر بما لا تملك! الخلاصة هي أننا ما زلنا نرفل في نعم كبيرة قد تذهب عنا ولا تعود، لأن عدم تقديرها كما ينبغي من الجحود، وهنيئاً لنا بهذا الفريق النسائي الرائع الذي عرف مكمن الخلل وبادر بإصلاحه. وينبغي علينا الآن أن نبادر - أيضاً- بتعليم أطفالنا وأنفسنا، أن كلاً منا يمثل في ذاته قيمة إنسانية بغض النظر عما نرتديه أو نملكه، أو ما نتناوله أو نقدمه لضيوفنا... فالكرم وحُسن الضيافة ليس لهما علاقة بالكمية ولا بالنوعية من الأطعمة وغيرها من الحلوى، إنما بحسن الاستقبال وحسن التوديع. إننا نحتاج اليوم وبشده إلى تقنين المصروفات من دون النظر لاعتبارات اجتماعية شكلية للتباهي، و سلوكيات لا تمت لتعاليم ديننا بصلة.