موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 11:29 GMT - 2008/05/17


حال الطقس في 101 مدينة


أسعار صرف العملات:





استراتيجية الأمن الغذائي

علي العنزي     الحياة     - 10/05/08//

صدر قرار مجلس الوزراء السعودي يوم الاثنين الماضي، بإطلاق استراتيجية شاملة تهدف إلى وضع الأسس لمعالجة الغلاء والتخطيط لتعزيز الأمن الغذائي للمملكة العربية السعودية، إذ مثل هذا القرار نقلة استراتيجية ونوعية لقضية ماسة جداً بالنسبة للمملكة العربية السعودية وشعبها وهي قضية الماء والغذاء، وذلك لشح الموارد المائية والزراعية فيها، ما دعاها دائماً للتفكير في خيارات استراتيجية تقيها من تقلبات السوق.
 إن بناء استراتيجية متكاملة للأمن الغذائي لا يتأتي بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى وقت ودراسة عميقين لمعرفة الحاجات المستقبلية للبلاد من المنتجات الغذائية والتموينية، حتى يتم التخطيط السليم والدقيق لمواجهتها، وهو الدور الذي يجب أن تقوم به الجهات المعنية، التي أشار إليها قرار مجلس الوزراء، كوزارات الزراعة والمالية والتجارة والتخطيط، لأن مشكلة الغلاء المتفاقمة في أسعار المواد الغذائية هي ما أطلق ناقوس الخطر للتفكير في هذه الاستراتيجية، إذ رفعت الدول المصدرة للمواد الغذائية أسعارها، إضافة إلى ارتفاع رسوم النقل والجمارك والتخزين على هذه المواد، ما دعا الحكومة السعودية للتدخل لضبط الأسعار مرات عدة، سواء بالدعم أو بزيادة بدل المعيشة للموظفين، ولكن ما زالت الأسعار ترتفع ومرشحة للارتفاع أكثر، حتى إن كثيراً من الدول المصدرة لبعض المواد الغذائية كالرز وغيره، بدأت تمنع تصديره أو تفكر في المنع لتوفيره لمواطنيها.
ترتكز أية استراتيجية على عناصر مهمة لنجاحها وتحقيقها للأهداف التي وضعت من أجلها، وفي استراتيجية المملكة للأمن الغذائي، ارتكزت على عنصر الاستثمار الخارجي مع تنوعه، وفي الدول التي توجد بها فرص لهذا الاستثمار، سواء بتوافر المياه من خلال الأمطار أو الأنهار، سواء كانت عربية أو غير عربية، ويعتبر السودان من أفضل الدول العربية في هذه الناحية، فالأنهار الجارية وتوافر مياه الأمطار في جنوبه طوال العام تقريباً يجعلانه خياراً ممتازاً، وتكون فرصة الاستثمار فيه ممتازة، إضافة إلى توافر الأيدي العاملة الرخيصة وقربه من السوق السعودية، ما يخفض تكاليف النقل وينعكس إيجاباً على الأسعار بشكلها النهائي. أما بالنسبة للعنصر الثاني في هذه الاستراتيجية فهو بناء مستودعات لخزن المواد الغذائية، وهو ما أشار إليه قرار مجلس الوزراء بتخصيص أراض لبناء هذه المستودعات وبشكل مخطط ومنظم ويستوعب كل المستجدات من تقنية وتطورات مستقبلية في التخزين. كما أن توزيع هذه المستودعات على كل مناطق المملكة، هو أمر حيوي وضروري، للتواكب مع التنمية المستدامة لهذه المناطق ولخفض الأسعار وتوحيدها، بحيث تكون الشركة التي ستنشأ من أجل هذه الغرض مسؤولة عن إيصال هذه المواد إلى كافة المواطنين. إن بناء هذه المستودعات سيكون عاملاً حيوياً وضرورياً لبناء مخزون استراتيجي غذائي تمويني، يساعد المملكة في مواجهة التحديات الغذائية، إضافة إلى توفير كبير لنزف المياه الجوفية التي تجمعت خلال آلاف السنين التي تستنزف الآن في الزراعة، كما انه يجنبها كوارث وأزمات في شح المواد الغذائية، والتي بدأت الأصوات تتحدث عنها في كل أنحاء العالم، وعلى رأسها الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة بان كي مون الذي حذر من كارثة غذائية تنتظر العالم.
تحتاج هذه الاستراتيجية إلى إنشاء شركة قابضة مساهمة تستطيع الدولة أن تنفذ هذه الاستراتيجية من خلالها، إذ يمثل دعم الدولة ومساهمتها في هذه الشركة أمراً حيوياً وضرورياً لإعطائها الدعم السياسي وتمكينها من التفاوض والتعاقد مع الدول الأخرى من منظور أنها شركة مملوك جزء منها للحكومة السعودية، وهو أمر طبيعي أن تراعي كثير من الدول الشركات والمصالح المملوكة لدول أخرى، هو ما تضمنه قرار المجلس بأن تملك الدولة جزءاً منها. كما أن تملك المملكة عدة شركات مساهمة، يمكن أن تسهم كذلك في هذه الاستراتيجية، سواء بالمساهمة بالشركة الجديدة أو تبدأ هي بالاستثمار من خلال فتح فروع لها في الدول التي سيتجه لها هذا الاستثمار، ضمن صياغة نموذجية لاتفاق إطاري في شأن الاستثمارات السعودية الخارجية في المجالات الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية وغيرها من الفرص الاستثمارية الأخرى التي لها علاقة بالأمن الغذائي. ترتكز الاستراتيجية السعودية للأمن الغذائي على عدم التركيز على دولة واحدة في استثماراتها في هذا المجال، حيث إن تنوع الخيارات الاستثمارية هو أحد عوامل نجاح استراتيجية الأمن الغذائي، بالنسبة للدول العربية فهناك أكثر من خيار مثل السودان ومصر والمغرب وسورية ولبنان والعراق في حال استقراره، أما بالنسبة للدول غير العربية فهناك الهند وتايلاند وباكستان وتركيا وفيتنام وغيرها من الدول التي لديها الإمكانات للاستثمار زراعياً فيها وتملك بيئة سياسية مستقرة. كما لا ننسى الاستثمار في دول أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة مثل أوكرانيا الغنية زراعياً التي في أمس الحاجة الى الموارد المالية وكازاخستان وغيرها من الدول.
إن توجيه خادم الحرمين الشريفين وزارات الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد والتربية والتعليم والثقافة والإعلام والتجارة والصناعة بالتركيز على رفع مستوى الوعي والثقافة الاستهلاكية بين أفراد الشعب السعودي على المدى القصير هو أحد مرتكزات نجاح هذه الاستراتيجية والحد من ارتفاع الأسعار للمواد الغذائية وتوفيرها وتعويد المواطنين على الوعي الاستهلاكي الذي نفتقده بشكل كبير، حيث معروف عنا أننا شعب مستهلك جداً إلى حد الإفراط.
إن قرار مجلس الوزراء برئاسة خادم الحرمين الشريفين يمثل استجابة طبيعية لحكومة حريصة على مصالح ومتطلبات شعبها، كما عكس هذا القرار الحرص والاهتمام اللذين يوليهما قائد هذه الأمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لشعبه وسهره على مصالحه دون كلل أو ملل، وتمتعه برؤية مستقبلية واضحة يواكبها قوة في اتخاذ القرار ومتابعته له وطلبه أن تقدم هذه الاستراتيجية خلال شهرين من قرار مجلس الوزراء.
رسالة أخيرة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - أطلب فيها أن تتضمن هذه الاستراتيجية إنشاء مخابز مركزية في كل مدينة سعودية، تملكها وتديرها الدولة، حيث من المعروف أنه لا سمح الله لو تعرضنا لحصار أو حرب ستغادر العمالة الأجنبية المملكة، وهي الآن من يدير المخابز المملوكة للقطاع الخاص، وهنا نكون في مأزق نظراً لحجم السكان وحجم المدن السعودية، لذلك إنشاء مخابز مملوكة للدولة وتدار بأيد سعودية 100 في المئة أسوة بالدول الأخرى التي لديها مثل هذه الاستراتيجيات أمر ضروري وحيوي بحيث لا تنافس مخابز القطاع الخاص، بل تبيع بالسعر نفسه وتكون متوافرة عند الحاجة لها. 

* عضو مجلس الشورى.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group