موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 16:32 GMT - 2008/11/20


حال الطقس في 101 مدينة


أسعار صرف العملات:





رحلت مبتعثاً وعدت أديباًَ...

هالة الدوسري     الحياة     - 05/01/08//

ليس الهدف من التعليم والإعداد لتولي مناصب رفيعة في الدولة هو فقط زيادة المحصول العلمي والفني والقدرة على الابتكار لدى المبتعث، بل أيضاً ردم الهوة التي باتت للعديد من الأسباب تمعن في ابتعادنا عن بقية العالم وكأننا كون آخر وحدنا، وإلى كل المشككين في تجربة ابتعاث أبنائنا وبناتنا إلى الولايات المتحدة الأميركية أدعوهم إلى مراجعة أحكامهم ومطالعة نتائج المسابقة التي قامت بها جريدة إيلاف الالكترونية لاختيار أفضل المقالات التي تعبر عن انطباع المبتعثين والمبتعثات عن الحياة في أميركا، فالمقالات الستة الفائزة تعكس عمق الوعي والقوة الذاتية التي يتمتع بها المبتعثون  والمبتعثات.
 وعلى رغم أن «إيلاف» استقبلت أربعين مقالاً للمشاركة في المسابقة إلا أن الرأي بين الحكام والقراء استقر على المقالات الستة التي بالفعل جمعت في معظمها بين لغة أدبية راقية وأسلوب سلس، وأكثر العناصر التي تميز المجتمع الأميركي عن غيره، وتجعل الحياة فيه مختلفة عن الوطن الأم، فالمقال الذي حصد أكثر الأصوات يشرح كاتبه تجربته في الاغتراب واختياره بين أن يكون منبوذاً لغرابته أو صديقاً لمدينته الجديدة سياتل، الكاتب الذي أبدع بالفعل في وصف المدينة تاريخياً وحديثاً واستعان باقتباسات أدبية مميزة تعبر عن اهتمام شديد بالقراءة لا يبشر فقط بأدب رحلات مميز، ربما يعيد إحياؤه في ثقافتنا حبه لمدينته الجديدة، بل أيضاً بروح طموحة قادرة على خوض التجربة بكل إيجابية.
 ويتساءل كاتب آخر عن ما لا يعرفه عن المجتمع الأميركي بدلاً مما يعرفه وهو الطفل الذي نشأ على قصص «ديزني لاند»، وأفلام ومسلسلات هوليوود التي عرضت له وجوه المجتمع الأميركي كافة، ثم يقودنا إلى المجهول الذي اكتشفه في هذا العالم الجديد الحلم الأميركي الذي جمع البشر على تنوعهم في سعيهم لحب الحياة والاستمتاع بكل لحظاتها، والذي يعمل لأجله مواطنون من كل الثقافات والأديان، تجمعهم قوانين واحدة وتضمن لهم اختلافهم، كما تضمن تفردهم، إذ يسمح للجميع بالوصول لأحلامهم إذا ما عملوا جاهدين لأجلها وامتلكوا مفاتيحها.
 أما المهاجرون السذج البسطاء الحالمون بفرصة ليصبحوا أحد عناصر المجتمع الأميركي، فعلى رغم بؤسهم وجهلهم، ولو عن طريق الحلم والخيال، فقد صورت واقعهم البائس في لوحة جميلة إحدى طالبات الأعمال التي - للأسف - لن تتمكن - قريباً على الأقل - من أن تصل إلى أي مشاركة رئيسة أو فعالة في أعمال الطلبة السعوديين بالنظر إلى التحقيق الذي قام به مبتعث آخر في أحد المقالات الستة لاستطلاع آراء المبتعثين في إمكان إتاحة الفرصة الآن للمبتعثات للمشاركة في نوادي الطلبة بدور أكبر وربما الوصول إلى رئاسة نادٍ سعودي.
الطلبة السعوديون في غالبيتهم لا يعتقدون بإمكان ترؤس المبتعثة لزملائها وهم هنا لا يختلفون كثيرا عن نظرائهم في الوطن، لأن الأسباب المطروحة هي نفسها التي نسمعها هنا، على رغم اختلاف البيئات والأوضاع عن مثيلاتها في الوطن، إلا أن عموم الطلبة يؤمنون بعدم أهلية المبتعثة أو بإمكان تعرضها للمضايقات التي قد تفسد تأثير التجربة بدلاً من إنجاحها، وهم هنا يؤمنون بالمشاركة المحدودة للمبتعثة عن بعد، وليس بالتمثيل الفعلي والرسمي لها!
شخصياً أرى أن المبتعثة السعودية يمكن أن تضيف الكثير للنوادي السعودية، ولتحسين النظرة العامة لبلادنا، كما يمكن أن تكون التجربة الأولى لمشاركة المرأة في صناعة القرار في وسط من طلبة العلم الذين يفترض فيهم امتلاكهم للوعي الراقي، وأدبيات التعامل... والمشاهد حقيقة لمشاركة رجاء الصانع - وهي إحدى المبتعثات السعوديات - وهي تتحدث إلى الجمهورين الأميركي والسعودي حول العلاقات السعودية والأميركية في مؤتمر سعودي أقامه الطلبة في أيوا هذا العام، والتأثير الذي تركته كلماتها وتحليلها للعلاقات السعودية الأميركية، سيدرك بالتأكيد محدودية النظرة إلى المبتعثة من زملائها السعوديين، مقارنة بما يمكن أن تقدمه لبلادها ولزملائها، وبما يمكن أن نستفيد به منها بالفعل لرفع مستوى أداء الأندية السعودية في الخارج، خصوصاً للقادمات من بعدهن وليس فقط في حصر مشاركاتها للترويج الإعلامي. مبتعثة أخرى تحدثت عن صورتنا كنساء عربيات في مكتبات الغرب وثقافتهم التي تصورنا كسجينات للنقاب والاضطهاد، وشرطة الأخلاق!
 وفي مقارنة مدهشة حملتنا معها إلى حديقة أميركية رائعة في حي ديبلوماسي وإلى صور الشذوذ الجنسي المقبول اجتماعياً ليس فقط بين الرجال بل وبين النساء، والذي يصور المقال تقديسهن بل وهوسهن حتى الجنون بالمظهر حتى ولو اضطررن لإخضاع أنفسهن لكل صرعة جراحية جنونية في سبيل الكمال.
فالكاتبة أوضحت بذكاء أن التطرف في مظهر المرأة ليس فقط بضاعة عربية بل هو موجود، وإن كان على النقيض الآخر كصورة عكسية في تقديس المظهر والجسد لدى النساء والرجال الأميركيين.
 المقالات التي عكست في مجملها انطباعات المبتعثين عن الحياة في أميركا وأسلوب الحياة الأميركية، تفتح لنا نافذة لفهم الآخر وبث روح التسامح والتفهم والاحترام، وأيضاً تقدير قيمنا الأصيلة والحفاظ عليها، والتي قد لا نجد لها مثيلاً في الغرب، ليس هناك ما هو أفضل من تجربة الحياة تحت سقف الآخر ومخالطته لفهمه والتواصل معه بالطريقة المثلى... نعم قد يكون الاغتراب الذي عكسته أقلام المبتعثين قاسياً ومختلفاً، ولكنه أيضاً درس في حب الإنسانية، والبحث عن عوامل الاجتماع والتشابه، كما هو مرآة لاختلافنا.
 تجربة الابتعاث ستحمل لنا بعد سنين عدة عدداً من الأدباء والمفكرين والحالمين، كما حملت لنا من قبل عدداً من الرواد ممن أثروا بلادنا ليحملوا أبناء وبنات هذا الوطن بعيداً عما لحق به أخيراً، وبعيداً عن تناقضات وتجاوزات، وغرابة وتفرد بعض أفراده إلى مكانته وقيمه المتسامحة التي عكستها هذه الأقلام والتي تستحقها عن جدارة في خريطة العالم الحديث.


* كاتبة سعودية - الولايات المتحدة الأميركية.

halaaldosari@hotmail.co











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group