موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 11:38 GMT - 2008/05/17


حال الطقس في 101 مدينة


أسعار صرف العملات:





جناية القصاصين!

سامي بن عبدالعزيز الماجد     الحياة     - 09/05/08//

لا يجوز الاستخفافُ بقدْر الوعظ من أجل أناس تصدّروا للوعظ وهم ليسوا له بأهل، فشوّهوا صورته، وامتطوا له غير مطيته، لأن مادة الوعظ وحي وكل ما هو مستنبط منه، ولأنه وظيفة الأنبياء والرسل، فاجتمع له شرفان: شرف الرسالة وشرف حملتها من الأنبياء والرسل.
وحين نلوم أقواماً أطلقوا ألسنتهم وأقلامهم في الاستخفاف بالوعظ، وتعيير خطابه بالسذاجة ووصفه بالدرْوَشة، فإن لهم شركاء في هذا المأثم ينبغي أن يكون لهم من الملام أولى النصيب؛ لأنهم هم الذين رسموا الوعظ في أعين أولئك في صورةٍ شوهاء، فهؤلاء رسموا وأولئك وصفوا، والفريقان شريكان في الجناية.
فبعض المحسوبين على الوعظ شوّهوا صورته بمنهجهم ومستوى خطابهم، وأولئك المغرضون شوهوا صورة الوعظ حين قصدوا أقبح صورةٍ فحصروا فيها صورة الوعظ متعامين عن صور أخرى رائعة ظاهرة غير متوارية عن الأنظار.
وبجريرة هذين الفريقين تشكلت للوعظ صورة نمطية في أذهان الناس لا تليق بمكانته في الشريعة.
ولن تعود للوعظ مكانته المهيبة الرفيعة ما لم يترفّع هذا الفريق من الوعّاظ عن امتهان الوعظ بمنهجهم الخاطئ وخطابهم العفوي المرتجل الذي يرسلونه كيفما اتفق، فليس بين أحدهم وبين مقام الوعظ إلا أن يعقد النية ويعزم الأمر، ثم يقف ليرتجل كلاماً ينشئه إنشاءً، لم يكلف نفسه عناء التحضير له وترتيب أفكاره واختيار ألفاظه وجمع شواهده، فإذا تكرّم بإيراد نصٍ في سياق وعدٍ أو وعيد، أو في سياق تقرير حكمٍ بإيجاب أو تحريم، زاد في دلالة النص ما ليس من منطوقه ولا مفهومه، وأفسدَ بلاغة النص وجمالَ أسلوبه بتعليقاتٍ ركيكة ليس فيها الا التزيدُ بالكلام وتحميلُ النص ما يحتمل من إيجاب ما لا يوجبه النص، أو تحريمِ ما لا يحرِّمه، وتقويل الشرع ما لم يَقُل.
وهذه الفئة من الوعاظ - الذين جعلوا الوعظ ممتهَناً - هم للعوام أكثر شبهاً إن لم يكونوا من جملتهم، وهم إلى الأمية أقرب منهم إلى العلم، يعظون أكثر مما يقرأون، ولا يحققون في ما يتفوّهون، مع أن أمر الوعظ متردد بين الوعد والوعيد، ومبناهما على التوقيف، فلا تبشير بوعد ولا تخويف بوعيد إلا بنص صحيح، والأمر فيهما لا يحتمل الاجتهاد، ولا يكفي فيه التزود بـ (حسن النية).
وما غرَّ هؤلاء في استعجال ارتجال الموعظة من غير إعداد ولا ترتيب أفكار إلا جرعة زائدة من شعور (الثقة بالنفس) استغنوا بها عن ضرورة المراجعة والتحضير.
ولماذا يكلفُ أحدهم نفسَه عناء القراءة والبحث وقد تيسر له من الوعظ ما لا يحوجه إلى النظر في الكتب، وحفظِ مواعظ الوحيين؟ ولِمَ كلّ هذا العَناء وأحدهم يجد إلى التأثير في الناس واسترعاء أسماعهم طريقاً أيسرَ لا يكلفه أيّ عناء؟
أما هذا الطريق غير المُكْلِف فهو منحى القَصص الواقعية! والقَصص بطبعها مشوِّقة؛ فالناس مجبولون على حب سماعها، والفضول يستجرُّهم إذا سمعوا أولَها أن يرعوا لها أسماعهم حتى آخرها بلا تململ. وليست اللائمة أن تُدرج القَصص في المواعظ، فقد زبرت في الكتاب والسنة، ولكن اللائمة في الاستكثار من قَصصٍ - يسمونها واقعية - تُلقى بلا خطام ولا زمام، إنما سندها - إنْ أسندها صاحبها - حدثنا الثقةُ عن الثقة، وأكثرها موغل في الإغراب، تغني نكارة متنه عن البحث في سنده. ولو لم يكن من سوأة الاستكثار منها - مهما صح سندها - إلا تزهيد الناس في قَصص الكتاب وصحيح السنة الناطقة بالعبرة والذكرى، وشغلهم عنها لكان كافياً في ذم المشتغلين بها. فكيف إذا كانت سوآت لا سوأة... كيف إذا جمعوا مع التزهيد في قصص الوحيين التساهلَ في الكذب وقصد الإغراب والمبالغة، كيف إذا كان من سوآت الاستكثار من القصص الواقعية تخويف الناس بالعقوبات الدنيوية أكثر من الأخروية، وإيهامهم أن صاحب المعصية لا بد من أن تعاجله عقوبة دنيوية، وإلا فهو بمنجاة من العقوبة، والقصاصون لا يقولون ذلك تصريحاً، ولكنه إيحاء توحيه قصصهم التي ما فتئوا يعظون ويستكثرون منها، ويشتغلون بها عن نصوص الوعيد وكفى بها واعظاً وزاجراً لو كانوا يعقلون.
فإلى قصص القرآن والسنة - أيها القصاصون - إن كنتم فاعلين، أحيوا ذكرها بين الناس خصوصاً ما قصه الرسول r في سنته، واستنطقوا عبرها ومواعظَها.
لقد كنا نراكم - وأنتم تستنكرون صوراً من البدع - تحتجون بهدي الصحابة، وتقولون: لو كانت هذه البدعة خيراً لسبقونا إليها، ونحن نحاجّكم بالحجة نفسها، فهل كان من هدي الصحابة في مواعظهم الاشتغال بقصص واقعهم عن موعظة الكتاب والسنة وقصصهما؟ أيسركم أن يقال لكم ما قيل لبني إسرائيل: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)؟


* أكاديمي في الشريعة.

samialmajed@hotmail.com











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group