-
أكاديميون: منع المحاضرات والندوات إقصاء للرأي الآخرالخميس, 06 أغسطس 2009
عدّ مثقفون وأكاديميون ظاهرة إلغاء بعض الفعاليات الثقافية في الفترة الماضية معضلة حقيقية ووصاية على الناس وتضييق على حريتهم. وكانت آخر فعالية للناقد عبدالله الغذامي وحال من دون إقامتها في جامعة الإمام تدخل تيارات متشددة وهي امتداد لما تعرضت له أمسيات وندوات في أكثر من ناد أدبي من إيقاف أو تأجيل يشبه الإلغاء، وإن أقيم بعضها وسط كثافة أمنية للحؤول دون منعها. و يرى محسوبون على التيارات الإسلامية منع هذه المحاضرات تجهيلاً للناس وعدم ثقة بالنفس كما أنها تؤدي إلى تشويه الدين وسبب لتخلف المجتمع، وبخاصة في المؤسسات التعليمية التي تصبح أقرب للعداء وسيادة الرأي الواحد بدلاً من أن تحمل قيمة المعرفة أو تقدّر الإبداع، وبذلك لا تصنع تلك المؤسسات ثقافة، وهنا تكمن الخطورة على «ثقافتنا الوطنية».
قال الدكتور معجب الزهراني: «إننا أمام معضلة حقيقة أخشى ما أخشاه أن نألفها ونعدّها أمراً طبيعياً قابلاً لتمرير، تماماً كما يحدث حينما تتكرر الأخطاء الفادحة من رجال الحسبة، فيحتج عليها في المنصات الإعلامية ثم يسكت عنها؛ لأنها أصبحت مألوفة». وعزا ذلك إلى أن «التأصيل ليس في الحدث ذاته، وإنما في دلالاته الكارثية على شيء اسمه ثقافة وفكر». وتطرق الزهراني لآخر الفعاليات التي تم تأجيلها وهي ندوة الغذامي، إذ أبدى أسفه قائلاً: «هناك جماعات متطرفة لا تزال تملك سلطة قوية تتصرف كما تشاء حتى وإن كان ذلك ضد مؤسسة دينية محافظة، حتى لا أقول متطرفة، مثل جامعة الإمام». ثم تساءل: «من يعطي هذه السلطة لجماعة كهذه ليستعملها ضد الآخرين كلما رأت ذلك ممكناً». واعتبر هذه الظاهرة أنها سلسلة من إشكاليات تربك ثقافتنا وحياتنا اليومية، «وما لم تسن قوانين واضحة وتشريعات صارمة ضد استملاك الفضاء العام من هذه المجموعة أو تلك، فعلينا أن ننتظر المزيد من المشكلات والمفارقات في كل المجالات الثقافية وبكل بساطة».
وقال الدكتور عبدالله المعيقل: «لا بأس بالمنع والتأجيل إن كان ذلك عائداً لظروف طبيعية ولكن الإلغاء كنتيجة لتدخل جهات معينة لفرض رأي مخالف أو موقف شخصي أو أيديولوجي فهذا أصلاً ضد حرية الناس في التعبير والاختيار». وفسّر المعيقل سبب ذلك بـ «العداء والإقصاء والرغبة في أن يسود رأي واحد لمجتمع مختلف التوجهات والرؤى». معتبراً أن هذا الأمر لا يحدث إلا في المملكة فقط، «فلا نجد له مثيلاً في الدول المجاورة لنا والمشتركة معنا في الثقافة والاهتمامات».
فيما اعتبر الدكتور صالح إلغاء الفعاليات بعد إقرارها والإعلان عنها «وإن اختبأ في صورة تأجيلها، أو بأسباب أخرى مصطنعة، فإنه يدلل على أن المؤسسة المعنية بذلك النشاط محكومة بنفوذ مستتر، وأنها فريسة رؤية فردية متسلطة أو اتجاهات دوغامئية وأحادية». ورأى أن في مثل هذه الحالات «لا تصبح المؤسسة ثقافية ولا جامعية أو تعليمية، بل هي أقرب للحزبية أو المذهبية أو الأيديولوجية التي لا تتنوع فيها وجهات النظر وتتحاور، ولا تثمن قيمة المعرفة أو يقدر الإبداع» مضيفاً: «والمنظمات الحزبية على هذا النحو لا تصنع ثقافة ولا تؤسس لمعرفة بل تصنع نشطاء حزبيين، ومن طبيعة النشاط الحزبي المتأدلج أنه يبتكر دوما الأعداء ويبني لنفسه دائرة عزل وانعزال مؤثثة بأوهام طهورتيه وصوابه ونقائه وفوقيته في مقابل تدنيس لغيره والتخطئة المطلقة له، وهنا تكمن الخطورة على ثقافتنا الوطنية».
يذكر أن هذه الظاهرة شغلت المشهد الثقافي السعودي، أخيراً في الوقت الذي ينادى فيه للحوار وضرورة تقبل الرأي والآخر، وهو ما كان جلياً في معرض الكتاب الدولي الأخير في الرياض، قبل أن تطال الندوات والمحاضرات والأمسيات التي تجمع أطياف المجتمع في جو حواري مباشر لاحقا، مثل ندوة الشيخ سعد البريك والدكتور تركي الحمد التي كانت ستقام في «أدبي الرياض» وما حدث من تحول منبر أدبي إلى ثكنة عسكرية، بسبب رسائل التهديد التي طاولت النادي والشاعرة حليمة مظفر في أمسية شعرية في نادي الجوف الأدبي بعدما منعت قبلاً من خلال إحراق خيمة الأمسية من حدث اتضح لاحقا أنه كان مدفوعاً. وتعد الندوة التي كان سيشارك فيها الدكتور عبدالله الغذامي في جامعة الإمام وألغيت قبل 24 ساعة من إقامتها، آخر الأنشطة التي تم تأجيلها أو إلغاؤها.












