موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 12:52 GMT - 2008/07/04


حال الطقس في 101 مدينة


أسعار صرف العملات:





قال إن الديموقراطية الغربية لاتناسبنا... والبديل هو الشورى... الأمير سلمان: المتطرّفون يريدون علاقات توتّر وصراع وعنف بين الأمم

الرياض - مصطفى الأنصاري     الحياة     - 10/05/08//

أورد المفكر الإسلامي السعودي زين العابدين الركابي في كتابه الجديد عن سلمان بن عبدالعزيز، نموذجاً من أحاديثه التي لم تنشر من قبل مع مجموعة من طلاب جامعة هارفارد الذين استقبلهم لدى زيارتهم السعودية قبل بضعة أشهر. وذلك في سياق حديث الركابي عن نهج الأمير في الشفافية كأحد فنونه في الحكم.
وفي الحوار الذي دار بين الطلاب بقيادة أحد أساتذتهم، مع الأمير سلمان صارحهم بأن السعوديين «يؤمنون بأن كل انسان حر في عقيدته، لا يُكره قط على عقيدة لا يريدها، وهناك نصوص كثيرة حول هذه المسألة.  كما أن هناك آية قرآنية تقول: «آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله». فهذه الآية توجب على المسلمين الايمان بالكتب والرسل السابقين وألا يفرقوا بين رسل الله بمن في ذلك موسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهما السلام».
وحذرهم من فهم مشكلة الإرهاب والتطرف الذي يرتكبه منتسبون إلى الإسلام على أنه نابع من مشكلة أصلية في الدين نفسه، وأكد أن «المشكلة ليست في المصدر ولا في المنهج، انما المشكلة في (المتطرفين) الذين يفهمون الدين خطأ، ويطبقونه خطأ، سواء أكان هؤلاء المتطرفون مسلمين او مسيحيين او يهوداً».
ولفت الأمير سلمان إلى أنه بتأكيده على تلك الحقائق ليس يريد الدفاع عن متطرفين وإرهابيين يصنفونه عدواً، وإنما للتنبيه على أنهم لا يمثلون الإسلام. وأضاف: «إنكم سوف تعانون في يوم من الأيام من المتطرفين في المسيحية واليهودية، فهؤلاء المتطرفون من مسلمين ويهود ومسيحيين يضرون بالبشرية كلها من حيث انهم يجعلون العلاقة بين الأديان والأمم علاقات توتر ومشاحنات وصراع وعنف، بينما أرادها الله علاقات تعارف وتراحم وسلام».
وعلى عكس ما يتصور المتشددون فإن الأمير سلمان فاجأ الطلاب بحقيقة أن «التاريخ الموثق يخبرنا ان رسول الاسلام تحالف مع اليهود في المدينة وتعاون معهم من خلال دستور مكتوب عرف - تاريخياً - بـ (وثيقة المدينة)... والخلل في العلاقة جاء من اليهود الذين نقضوا الوثيقة، ولم يلتزموا ببنودها».
وفي الحوار، مضى الأمير في توضيح رؤية بلاده حول قضايا المرأة والديموقراطية والإصلاح. وفي ما يأتي نص الحوار:
< ابتدر الأمير سلمان الطلاب الأميركيين بقوله: أنا جداً مسرور أن أراكم هنا في المملكة العربية السعودية لكي تطالعوا الأمور والأشياء على حقيقتها وطبيعتها. وطالما قلت: إن المشكلة في (عدم المعرفة)... فمن يعرفنا على حقيقتنا لا مشكلة معه قط، لأن معرفته هذه تقوده إلى فهم أوضاعنا... ليس بالضرورة أن يوافق على منهجنا، ولكنه يتفهم أن لكل مجتمع خصائصه وتقاليده وأعرافه وقيمه وخياره الحضاري -... ولكل مجتمع - كذلك - حساباته في حركة تطوره. أرحب بكم مرة أخرى، وأنا مستعد للجواب عن أي سؤال.
قال البروفيسور الذي يقود المجموعة الطلابية من جامعة هارفارد: يسرني أن أتكلم نيابة عن نخبة من طلبة هارفارد يزورونكم في صحبتي، وهم نسيج متنوع من الولايات المتحدة الأميركية... وأميركا الجنوبية... وأوروبا... وهذه (النخبة الدولية) من الطلاب يدرسون الأعمال، وسوف يصبحون في المستقبل في مواقع القرار في بلادهم، ولذلك جاؤوا لتخصيب معرفتهم بالتعرف على صنّاع القرار من أمثالكم وبطريقة مباشرة.

> وكانت بداية الأسئلة الحوارية سؤالاً من طالب، إذ قال: لديّ سؤال وهو: إن هناك موجة من التطرف في العالم العربي، وأود أن أعرف ما جهود المملكة العربية السعودية لمواجهة الإرهاب؟
- أجاب سلمان: نحن في طليعة دول العالم التي واجهت الإرهاب بطرق وتدابير عدة، منها: تدبير الحزم والقوة... وتدبير تحكيم القضاء... وتدبير المكافحة الفكرية والإعلامية. وإننا نبذل كل جهد مستطاع لاجتثاث الإرهاب بكل الوسائل المتاحة والفاعلة... وعلى سبيل المثال: هناك متخصصون يلتقون المعتقلين ويتحدثون إليهم في محاولة لإقناعهم بالعودة الى الطريق الصواب... وقد أحرزنا نجاحاً ملحوظاً على هذه المستويات جميعاً.
وفي سياق جهود مكافحة الإرهاب بجد ومسؤولية يمكنكم ان تعرفوا مثلاً انه منذ سنتين عُقِد في المملكة العربية السعودية مؤتمر عالمي تَرَكّز على مكافحة الإرهاب، وقد عُقد المؤتمر في الرياض برعاية الملك عبدالله بن عبدالعزيز كما يمكن ان تعرفوا ان لدينا (مركزاً دولياً) لمكافحة الإرهاب، وهو مركز نأمل من دول العالم كافة ان تتعاون معنا على تعزيز نشاطه المتعدد المضامين والصور، حيث ان المركز يصب في حماية الإنسانية كلها من شرور الإرهاب وآثاره المدمرة.
وأحب أن أقول بصراحة: إننا ندين الأعمال الإرهابية كلها ونستهجنها، لأن الإرهاب يسيء إلى الإسلام... وقد صدرت بيانات من كبار علماء المملكة ومشايخها تعتبر الإرهاب جريمة كبيرة ضد الإسلام نفسه بما في ذلك الإرهاب الذي وقع في الحادي عشر من سبتمبر في واشنطن ونيويورك.
وأزيدكم صراحة ووضوحاً فأقول: نحن نؤمن بأن كل إنسان حر في عقيدته لا يكره قَطُّ على عقيدة لا يريدها، وهناك نصوص كثيرة حول هذه المسألة، كما أن هناك آية قرآنية تقول: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله». فهذه الآية توجب على المسلمين الإيمان بالكتب والرسل السابقين وألا يفرقوا بين رسل الله بمن في ذلك موسى بن عمران وعيسى ابن مريم، عليهما السلام.
المشكلة ليست في المصدر ولا في المنهج، إنما المشكلة في (المتطرفين) الذين يفهمون الدين خطأً، ويطبقونه خطأ، سواء أكان هؤلاء المتطرفون مسلمين أم مسيحيين أم يهوداً، وأقول لكم: إنكم سوف تعانون في يوم من الأيام من المتطرفين في المسيحية واليهودية، فهؤلاء المتطرفون من مسلمين ويهود ومسيحيين يضرون بالبشرية كلها من حيث إنهم يجعلون العلاقة بين الأديان والأمم علاقات توتر ومشاحنات وصراع وعنف، بينما أرادها الله علاقات تعارف وتراحم وسلام.

سترون متطرفين من أديان أخرى

وأعـــــود فأؤكد: أن هـــؤلاء الإرهابيين أساؤوا الى الإسلام أكبر إساءة.
أنا مسلم... وأؤمن بأن الإسلام هو دين الوسطية، فلا تطرف الى اليمين، ولا الى اليسار، والإسلام كذلك دين رحمة ومحبة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما اضطهده قومه أمر الصحابة المؤمنين به بالهجرة الى الحبشة التي كان يحكمها النجاشي، وكان يدين بالنصرانية وقد عُرِف بالعدل فاستضاف النجاشي أصحاب محمد وأكرمهم.
والتاريخ الموثَّق يخبرنا ان رسول الإسلام تحالف مع اليهود في المدينة وتعاون معهم من خلال دستور مكتوب عرف - تاريخياً - بـ (وثيقة المدينة)... والخلل في العلاقة جاء من اليهود الذين نقضوا الوثيقة، ولم يلتزموا ببنودها.
نحن ضد أي تعصب، وانتم تتذكرون اليسار الشيوعي الذي كان يقوم بجرائم إرهابية، وتتذكرون ان أعمالاً إرهابية حدثت في اليابان وألمانيا ودول أخرى.
أنا لا أدافع عن إرهابيين يحملون أسماء إسلامية، فأنا مصنَّف عدواً لديهم، ولكن أريد التنبيه الى أنكم سترون متطرفين إرهابيين من أديان أخرى، ومن حقكم علينا كشباب وصغار السن ان نوجه انتباهكم الى هذه المعضلة المشتركة.

> تدخل البروفيسور فقال: ان كلامكم يتوافق تماماً مع أفكار هذه النخبة من شباب هارفارد... ولديّ سؤال من الجنس الناعم يقول: ما الخطوات التي اتخذتها المملكة لضمان حقوق المرأة في بلادكم؟
- قال سلمان: الإسلام هو منهاج المملكة، وهذا المنهاج يضمن حقوق المرأة: حق الحياة وحق التعليم وحق الكرامة وحتى العمل، وهي حرة في مالها لا يحق لزوجها أو غيره ان يسلبها هذا الحق بحال من الأحوال، وهي حرة في مسألة اختيار زوجها، لا يحق لأحد أن يكرهها على ان تتزوج بمن لا تحب ولا تريد.
هذه كلها حقوق كفلها الإسلام لها، ولكنني أريد ان اعرف ما المقصود بالضبط من السؤال... هل هو حقوق الانتخاب؟

> البروفيسور: نعم
- سلمان: نحن لنا ظروف اجتماعية خاصة، وأريد ان أسألك - في هذه النقطة - سؤالاً واحداً محدداً وهو: الولايات المتحدة وهي دولة علمانية، أقصد أنها لم تقم على أساس ديني وان كان المسيحيون فيها هم غالبية الشعب. وسؤالي هو: هل الدين المسيحي يمنع إعطاء المرأة حقها؟ متى أعطيت المرأة حقها في هذا المجال؟

> البروفيسور: في وقت متأخر.
- سلمان: أنا سمعت - ولم أذهب الى أميركا في ذلك الوقت - أن السود لم يكن يسمح لهم بدخول بعض المطاعم والمرافق الأخرى! لماذا لم تعطهم بلادكم حقوقهم في المساواة في بداية القرن العشرين؟ قد يقال: ربما لو تم ذلك لحدثت حرب أهلية، إنما ما قصدته لا يعني بحال من الأحوال المقارنة ولا الرغبة في تأخير الحقوق، وإنما المقصود هو: تقدير الظروف الاجتماعية وشبكة الأعراف والتقاليد التي ينبغي ان يتم التطور من خلالها وبمعالجة عاقلة لها: لا بالقفز المتهور عليها.
إن المرأة لدينا تعمل في كل المجالات: في الادارة والطب والهندسة والتعليم والتجارة، وغير ذلك من المجالات والحقول، وهذه وظائف وأعمال كانت ثمرة طيبة لـ (التطور المتدرج الهادئ) وفي ضوء هذه التجــربة الناجحة أقول: انه ليس من المستحسن ان تقوم دولة فتصدم شــعبها بقرارات ذات حساسية معينة.
لعلكم تعلمون انه قبل 50 سنة لم يكن لدينا مدارس بنات ولا بنية تحتية ولا أي مظهر من مظاهر الحضارة والتطور الذي تشاهدونه الآن، أما الآن فلدينا نساء مديرات لجامعات على رغم انه كانت هناك معارضة شديدة لتعليم البنات، وكانت الوفود تأتي من كل أنحاء المملكة ترفض فتح مدارس للبنات، لكن اليوم يتسابق الناس في ارسال بناتهم للمدارس والجامعات.
إن ما أريد ان أقوله هو: ان التطور الطبيعي الهادئ المتتابع هو الممكن، وهو الأفضل في الوقت نفسه. نعم من التقدم الصحيح الثابت الخاطئ ان يأتي كل شيء في وقته المناسب بدليل ان مجتمعنا أصبح اليوم يتقبل أشياء كثيرة مفيدة لم يتقبلها قبل سنوات، ومع ذلك فإن الدولة حريصة على قيادة التطور بمعدلات تحقق المصلحة من جهة وتتفادى الاضطراب والانتكاس من جهة أخرى.
واسمحوا لي ان أختم هذا الموضوع بالمثال الآتي الذي هو على مكتبي الآن:
إن الحقوق الشخصية للمرأة محفوظة ولديّ اليوم أوراق تتعلق بامرأة تريد ان تتزوج من شخص ما، ولكن أهلها يرفضون ذلك وقد عرضت هذه القضية على المحكمة وأحالها القاضي إليّ - اليوم - بخيارين: إما موافقة أهلها وإما ان يزوجها القاضي بمن تريد: على الرغم منهم، وتمكيناً لها من ممارسة حقها الذي كفلته لها الشريعة الإسلامية.

> البروفيسور: لدينا سؤال عن تيار الإصلاح، فقد سمع الطلاب كثيراً المثل الذي يقول: (في التأني السلامة)، وهذا يعني ان هناك اتجاهاً ينادي بالإصلاح، وتيار آخر يدعو الى الصبر.
- سلمان: ما الإصلاح؟ يجب تحديد المعنى أولاً، فكل له رأيه في هذه المسألة، وما يعتقده بعضهم إصلاحاً يعتبره البعض الآخر إفساداً.

لست من أنصار العجلة ولا الصبر الزائد

ويهمني مسؤولية الدولة في هذا الأمر، ومسؤولية الدولة هي المزج بين التيارين واستخلاص الأصلح من كل منهما، وأنا لستُ منزعجاً من ذلك، فالدولة منذ التأسيس تسعى الى الأفضل اجتماعياً وفكرياً وسياسياً وإدارياً وحضارياً أنا لستُ من أنصار (الصبر الزائد)، ولا من أنصار (العجلة الزائدة).
إن الخير والمصلحة والحكمة تكمن في (خيار وسط) وهو: التطوير النشط الدائم من دون جمود ولا تهور، من دون بطء مميت ولا سرعة قاتلة.
وقلتُ منذ قليل: ان لكل دولة خصائصها وظروفها في المسارات الاجتماعية، وهذا ينطبق على الخيارات والوسائل السياسية ايضاً، ولا بد من مواجهة هذه الأمور بوضوح شديد في زمن كثرت فيه شعارات الديموقراطية، وأنا لستُ ضد الديموقراطية التي يطبقها الآخرون، فمن خصائص السيادة والاستقلال لكل دولة ان تختار الصيغة السياسية التي تدير بها شؤونها، كما نص على ذلك ميثاق الأمم المتحدة، ولكن الديموقراطية بمفهوم معين ووحيد لها ليست (وصفة جاهزة) تصلح لكل مجتمع ولكل دولة، مثال ذلك ان الديموقراطية بمفهومها الغربي تعني - بالضرورة - تأسيس أحزاب متعددة. وهذا نمط سياسي اجتماعي لا يصلح لنسيجنا الاجتماعي.
أولاً: لأن هناك عيوباً جذرية ينطوي عليها النظام الحزبي. وأهله أنفسهم يشْكُون منه.
ثانياً: لأن هذه الحزبيات من شأنها ان تؤثر سلباً في الوحدة الوطنية التي هي أعز ما نملك بعد توحيد الله عز وجل. والبديل المناسب للديموقراطية - بمفهومها ذاك - ليس الديكتاتورية، فالقرآن قد ندّد بالاستبداد في كل صوره، وإنما البديل المناسب هو (الشورى).
نحن متفقون على (مبدأ مشترك) لا خلاف فيه وهو: رفض الاستبداد بالرأي والقرار في ادارة شؤون الدولة، وإذا كان هدف الديموقراطية هو (منع الاستبداد) فإن على رأس أهداف الشورى عندنا: هدف (منع الاستبداد) ايضاً، فلا قرار إلا بعد الشورى، فقد جاء في القرآن: (وشاورْهم في الأمرِ فإذا عزمتَ فتوكلْ على الله) آل عمران 159، فهذا أمر للنبي، ولكل حاكم مسلم بعده أن يشاور الأمة في الأمر، ولا يستبد برأيه وقراره. وتطبيقاً لهذا المبدأ نص دستور المملكة العربية السعودية أو النظام الأساسي للحكم فيها على ادارة شؤون الدولة بالشورى.

الشورى هو البديل وليس الاستبداد

وهناك شيء آخر لا بد من الالتفاف إليه في هذه القضية وهو أن آية الأمر بالشورى تحدثت في الوقت نفسه عما (بعد القرار) وهو (العزم) (فإذا عزمتَ فتوكلْ على الله) آل عمران 159، وهذا العزم - بالتعبير القرآني - يقابله البت أو التنفيذ بلغة الدساتير العادية.
فالقرار - بعد التشاور - لا بد له من سلطة مخولة تحمله وتطبقه وتتحمل مسؤولية ذلك. ولتوضيح الصورة علينا استعراض بعض التجارب الديموقراطية، ففي الولايات المتحدة الأميركية مجالس نيابية، ولهذه الجمهورية رئيس ذو صلاحيات معينة، وكثيراً ما يحدث ان يختلف رئيس الدولة مع هذه المجالس التي تحاول باجتهادها تعطيل صلاحياته، وعندئذ يستخدم الرئيس ما يسمى بـ(الفيتو) أو حق النقض وهو حق كفله الدستور.
وهذه صيغة شرعت لأجل (حفظ التوازن) بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ولم تشرع - بطبيعة الحال - من أجل خدمة التسلط الدكتاتوري.
وهي صيغة لها جذور في نهج الشورى الإسلامية، فلا قرار بلا شورى كما قلنا، ولكن بعد اتخاذ القرار الشوري يجب على الحاكم المسلم ان يمارس صلاحياته، ويباشر مسؤولياته التنفيذية من دون تردد، وهذا ما يسميه القرآن بـ(العزم)..: (فإذا عزمت فتوكل على الله) (آل عمران159) ولهذا النهج صوره التطبيقية في تاريخ المسلمين السياسي.
ثم إذا كانت الديموقراطية (شأناً دنيوياً بحتاً) فإن الشورى تجمع بين (الشأن الدنيوي) و(الشأن الديني)، ما يجعلها أقوى إلزاماً من الناحيتين: الدستورية والأخلاقية، فمن يهمل الشورى، يرتكب مخالفة دينية كبيرة تتمثل في معصية أمر الله بالشورى (وشاورْهم في الأمر) (آل عمران 159) الى جانب أنه يرتكب مخالفة سياسية دستورية في حق الأمة بمقتضى القانون الإنساني العام.
وأحب أن تتأكدوا من شيء تاريخي وواقعي وهو أن المملكة العربية السعودية صديقة للولايات المتحدة صداقة استراتيجية امتدت عشرات السنين ونمت وتطورت مع مرور الأيام والاتصالات والتفاهمات وتبادل المصالح في ظل قيادات مدركة للأهمية الحيوية لهذه العلاقة لمصلحة البلدين.
والعبرة التي ينبغي ان تستقيها الأجيال الجديدة من أمثالكم هي أن العلاقة الوثقى بين البلدين نشأت ونمت وتطورت وتعززت في ظل نظامين سياسيين مختلفين، بمعنى أن المصالح الحيوية المتنامية المتبادلة لم تلزم أي طرف بتغيير نهـــجه الاجتــماعي والسياسي.

الركابي يوثّق شواهد لـ «الجانب الآخر» من أمير «الرياض»... 10 خصائص مشتركة بين الملك عبدالعزيز  وابنه سلمان

< على رغم أن الخلفية «الفكرية» للأمير سلمان بن عبدالعزيز واضحة للكل في مواقفه وتعاطيه مع الأحداث المحلية والعالمية، إلا أن الكاتب السعودي زين العابدين الركابي، شاء أن يوثّق ذلك الشق في شخصية أمير «الرياض»، باعتباره - كما يقول - «الجانب الآخر» الذي اكتشفه عبر صداقة ثقافية مع الأمير امتدت لعقدين.  وقبل أن يذهب الركابي بعيداً في فصول كتابه «سلمان بن عبدالعزيز... الجانب الآخر»، فسّر ما يعنيه بالجانب الآخر، وقال إن الأمير ليس رجل سياسة وحكم فقط، ولكن أيضاً «رجل فكر».
ومع أن أحداً مرة أخرى يصعب أن يشكك في ذلك إلا أن الركابي، شرح قصده بالقول: «هو رجل فكر، لأنه يفكر في كل شأن يتناوله أو يتعامل معه، وقد يقال إن كل إنسان يفكر من حيث إن التفكير من خصائص هذا الكائن البشري، وهذا صحيح، ولكننا نقصد التفكير الخلاق ذا الرؤية الواضحة المتسمة بالمبادأة والاستقلال».
ومضى في الإجابة عن السؤال الافتراضي الذي طرحه وأضاف: «هو أيضاً رجل فكر من حيث متابعة حركة الأفكار في الوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم الإنساني، فلا تكاد مدرسة أو اتجاه فكري له وزنه واعتباره في عالمية إلا لهذا الرجل معرفه به. (...) وهو كذلك رجل فكر لأن لديه أفكاراً إبداعية».
الجانب الأكثر تشويقاً في كتاب الركابي، ذلك المتعلق بالمواقف والشواهد، التي اجتهد الكاتب ما استطاع في رصدها للفصول والمحاور داخل الكتاب. فهو عندما ذكر الخصائص العشر المشتركة بين الملك عبدالعزيز وابنه سلمان مثل «الذكاء، وقوة الذاكرة، والصلة بالقرآن، والتنوع الثقافي»، لم تكن كل العناوين التي انطلق منها للربط بين العلَمين مفاجئة لأي عارف بالاثنين فضلاً عن أي سعودي، إلا أنه - بإيراده شواهد على ذلك من قول عبدالعزيز ومن ثم أخرى تتقاطع معها من مأثورات سلمان - وثّق جوانب قد يشاركه القراء في الاحتفاء بها. وقُلْ مثل ذلك في فصل الإبداع في ظل لا إله إلا الله، فإن الجميع مدرك أن السعودية قامت على التوحيد، وهي في الوقت نفسه دولة عصرية بكل المقاييس، إلا أن الركابي ضرب أمثلة عملية وحية، كحديثه عن مخطط استراتيجية البيئة الذي أعدته الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، والذي كان أول محور فيه «علاقة الانسان بالخالق عز وجل». وينص على استهداف تعزيز مقومات الرياض الحضارية بوصفها«مدينة المستقبل في اطار المبادىء الاسلامية». كذلك الحال بالنسبة إلى فصل «سلمان: الناقد الحضاري»، فمتداول بكثرة اعتناء الأمير سلمان بالتاريخ والحضارة والأنساب، بل أصبح ذلك جزءاً من وظائفه عندما ترأس دارة الملك عبدالعزيز، التي تختص في هذا الاتجاه.
إلا أن المثال الذي استشهد به المؤلف، من الأهمية بمكان تجعله جديراً بالتوثيق، وهو اعتراض الأمير سلمان على مصطلح «القرون الوسطى»، الذي يرمز إلى التخلف، عند الحديث عن العالم الغربي أو الإسلامي.
بينما  الحقيقة أن الإسلام في القرون الوسطى يعيش أزهى عصوره، في فترة الرسالة النبوية والخلافة الراشدة والدولة الإسلامية الممتدة.
وفي الفصل الأخير الذي حمل عنوان: «السياسة والإنسانية: فن الحكم والعمل الخيري»، كما هو واضح، عرّج الركابي على «الجانب الأول»، وهو يبرز فنوناً للأمير في الحكم.
وبين أبرزها، موقف «الوضوح والشجاعة»، وشاهده أن الأمير «كان في زيارة لفرنسا... وكان من ضمن الأجندة: لقاؤه برؤساء الشركات الفرنسية. وفي أثناء الاجتماع أبدى بعض الحضور من الفرنسيين عتباً على المملكة خلاصته: إنه لا يبدو أن هناك نصيباً لفرنسا في بلد تتمدد فيه المصالح والشركات الأميركية. ولفوره، وعلى بديهته، وبوضوحه المعروف، وشجاعته المعهودة رد على صاحب تلك المقولة فقال: «السعودية بلد ذو اقتصاد مفتوح، ومعياره في ذلك المصلحة والتنمية الوطنية، وهو بهذا المعيار يتعامل مع الجميع، ويتيح الفرص للجميع»، ثم ألقى القنبلة الديبلوماسية السياسية فقال: «إن الإنزال في النورماندي كان أميركياً، وبهذا الإنزال تحررت فرنسا كما هو معروف في التاريخ السياسي، وبموجب هذا فإن فرنسا مدينة لأميركا، وهي حالة لا توجد في المملكة». فسكت القوم. ومن فن الحكم عند سلمان أنه يمارس (الشفافية) الفكرية والسياسية وهو يحاور (الأجانب) الذين يطرحون الأسئلة حول هذه القضية أو تلك، سواء أكانت هذه القضية أمنية أم اجتماعية أم سياسية.
الركابي الذي أقر ابتداءً، أن كتابه ليس «سيرة ذاتية» لسلمان بن عبدالعزيز، ختم بأن «تعب الأمير سلمان في بناء نفسه وكدحه وتيقظه ومثابرته وطول النفَس في ذلك كله (...) هو الذي أثمر بتوفيق الله وعونه وفضله شخصية متكاملة متوازنة سوية رضية فاعلة». كأنه يقول لقرائه من شاء أن يكون سلمان فليفعل مثله. ولم ينسَ أن يشكر مدير مكتب الأمير عساف أبوثنين الذي أمدّه بمعلومات ومواقف عن الأمير، استحق بها أن ينعته بـ «المصدر الحي الناطق».











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group